عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
197
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
اعلم أن الأدب من أكرم مقامات الروح وذلك لأن الروح لما كان أول من تعلقت به القدرة وهو موصوف بالعقل والأدب ومن أدبه أنه كان مؤتمرا بأوامر الحق ومنتهيا عن نواهيه ، فلما أمره بأن أقبل فأقبل ، وأدبر فأدبر ، واهبط فهبط ولم يكن معه موجود آخر ليلتفت إليه فيسيء أدبه . [ وجوه الأدب ] ثم اعلم أن الأدب على ثلاثة أوجه : أدب الروح وأدب القلب وأدب النفس . فأما أدب الروح : فهو مع اللّه بتوجهه إلى الحضرة وتبتله عما سواه بعدم الالتفات إليه ، كما كان حال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ليلة المعراج إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ( 16 ) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 ) [ النجم : 16 ، 17 ] بالالتفات إلى ما يغشى السدرة من أنواع الكرامات وأصناف التنعمات ، تحفظا لآداب الحضرة . وأما أدب القلب : مع النبي - صلى اللّه عليه وسلم - والمشايخ فبالتعظيم والتوقير والتسليم لأوامرهم ونواهيهم وإيثارهم على النفس والأهل والولد والمال ، إيمانا للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - وفرض عين وإرادة للمشايخ وقرة عين . قال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « الشيخ في قومه كالنبي في أمته « 1 » أي بالاحترام وامتثال الأوامر والنواهي . وأما أدب النفس مع الإخوان والأهل والولد وسائر الخلائق فهو بالشفقة والرحمة والنصيحة . وقال - صلى اللّه عليه وسلم - : ملاك الدين : التعظيم لأمر اللّه والشفقة على خلق اللّه » « 2 » . وقال : « ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء » « 3 » . وقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « إنما الدين النصحة » « 4 » . [ مصاديق الأدب ] وقال أبو نصر السراج الطوسي : الناس في الأدب على ثلاث طبقات : أما أهل الدنيا : فأكثر آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسماء الملوك وأشعار العرب . وأما أهل الدين : فأكثر آدابهم في رياضة النفوس وتأديب الجوارح وحفظ الحدود وترك الشهوات . وأما أهل الخصوصية : فأكثر آدابهم في طهارة القلوب
--> ( 1 ) أورده المتقي الهندي في كنز العمال ، كتاب الموت ، الباب الرابع في فضيلة طول العمر . وعلي القاري في الأسرار المرفوعة ( 229 ) و ( 339 ) وأخرجه غيرهما . ( 2 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع إنما هو من أقوال العارفين ونص العبارة العبودية : هي التعظيم لأمر اللّه والشفقة على خلق اللّه . ( مرقاة المفاتيح كتاب الطهارة ، حديث رقم ( 1235 ) [ ج 2 ص 230 ] . ( 3 ) رواه الترمذي في سننه ، كتاب البر والصلة ، باب ما جاء في رحمة المسلمين ، حديث رقم ( 1924 ) ورواه البيهقي في سننه الكبرى ، باب ما على الوالي من أمر الجيش ، حديث رقم ( 18272 ) [ ج 13 ص 278 ] . ( 4 ) هذا الحديث سبق تخريجه .